السبت، 18 مارس 2017

الراعي الرسمي للمسجد

الراعي الرسمي للمسجد
من الذكريات المفيدة بأيام الجامعة الأردنية أتذكر ما قاله معالي الدكتور عبد السلام العبادي أطال الله في عمره بإحدى محاضرات مادة نظام الإسلام عام 1975 عن موضوع خُطب الجمعة للمشايخ زمان (زمان كانت تعني بالخمسينات من القرن الماضي) أنه لم تكن للكثير من الأئمة رواتب من وزارة الأوقاف، وخاصة المعينين بالمناطق البعيدة؛ لكن قيل لهم أن الناس طيبون وما راح (يقصروا معهم)؛ لهذا  كانت معظم الخُطب تنصب بتلك المناطق على الصدقات والدعوات للولائم وخصوصاً تلك التي يُخص بها الأئمة وأهميتها للدخول للجنة من أوسع الأبواب. وقد سمعنا الكثير من القصص والنوادر حول هذه المسألة؛ وأذكر أن أحدهم قال قبل أن يتوجه لآخر المسجد لجمع ما تجود به النفس أن على الأمة أن تدفع للإمام ما يكفيه ستين عاماً؛ وكانت الأمة بالنسبة له من حضر بالمسجد بتلك اللحظة.
ما دفعني للحديث حول هذه الظاهرة أنها لم تختفي أبداً ولكنها أخذت شكلاً جديداً بعد تنظيم عمل الأئمة ودفع الرواتب لهم من قبل الدولة كموظفين. والشكل الجديد هو أن هذا التسول أو التبرع الذي يؤخذ بسيف الحياء إنما أصبح ظاهرة واضحة في العديد من المسجد باستثناء المساجد الرئيسة بالمدن الرئيسة أيضاً.  إذ لا تكاد خطبة جمعة تخلو من العبارة المشهورة (لا تنسوا هذا المسجد من فضل خيركم) ويعرض الخطيب مشاريع اللجنة المسئولة عنه بأنها ستدفع فاتورة الكهرباء أو تركب المكيفات للمسجد أو إنشاء مئذنة للمسجد وأخرها الدعوة للتبرع من أجل انظمة الطاقة البديلة (الخلايا الشمسية) لتخفيض فاتورة الكهرباء. ولا يتردد الخطيب أن يعلن مراراً عن عدم رضاه عن المبالغ المجموعة ويحث على المزيد لأن المبلغ المطلوب هو كبير جداً.
سؤالي ماذا تفعل وزارة الأوقاف حيال هذه الظاهرة التي تعم المساجد؟ هل تسير  على نفس النهج الذي أشار له معالي الدكتور عبد السلام العبادي (الذي شغل منصب وزير الأوقاف في حقبة معينة) وهو أن الناس لن تقصر بالتبرع لبناء المساجد وصيانتها للدخول إلى الجنة؟ إن كان الجواب بنعم سأقول  لها بأن هذه قسمة ضيزى!!  يدفعون رواتب الأئمة ويتركون صيانة المسجد علينا نحن المصلين! فلنتبادل الأدوار: نريد أن ندفع رواتب أسيادنا الأئمة ولتقم الوزارة بالصيانة فهي الأقدر على ذلك؛ ونسال الله العون بدفع راتب الإمام فهو أسهل وأخف كثيراً ويمكن أن يتدبر أمره المصلون.
سمعتُ قبل سنة أو سنتين على الإذاعة الأردنية بأن هناك ستة ألاف مسجداً منتشرة في الأردن وأتساءل هنا أي شعب يستطيع الإنفاق على هذا العدد الكبير منها؛ و لا نريد أن نناقش جدوى هذا العدد من المساجد إذا عرفنا بأنه وفي بعض المناطق يوجد أكثر من مسجد  لا يبعد إحداها عن الآخر إلا بعض المئات من الأمتار.
هنا أريد أن أرجع إلى فكرة الراعي الرسمي للمسجد والتي كان طرحها معالي الدكتور محمد نوح القضاة على التلفزيون ولا أدري أين ذهبت. وكانت تتلخص فكرة معاليه كما فهمتها هو أن يفتح باب الرعاية للمسجد من قِبل رجال الأعمال في المنطقة وأصحاب الشركات؛ فيؤجرون دينياً ويستفيدون دنيوياُ بتخفيض الضرائب عنهم؛ ولا بأس (وهذه من عندي أنا) بأن يكون هناك لافتة  مكتوب عليها بأن هذا المسجد تحت رعاية المحسن فلان أو الشركة الفلانية. إن هذا أفضل مرة من هذه الصناديق التي توضع قرب الباب لتجمع التبرعات.
لقد عملتُ في سلطنة عُمان وفي محافظة ظفار تحديداً محاضراً في الكلية التقنية بصلالة ربع قرن من الزمن ولم أشهد هذا المنظر الذي يحث فيه الإمام على التبرع لدفع فاتورة الكهرباء بنهاية خطبة الجمعة. وأرجو أن لا يتبادر إلى الذهن أن سبب هذا هو أن السلطنة بلد نفطي وتغطي الحكومة كافة نفقات المساجد. بالعكس، فإن المساجد التي تقع تحت إشراف وزارة الأوقاف  العُمانية في صلالة هي ثلاثة مساجد فقط لغاية 2015 فقد غادرت صلالة بعد ذلك ولا أدري إن زاد العدد عن هذا؛ وأتحدث هنا عن الإشراف المالي فقط؛ أما خُطَب الجمعة والتعليمات فهي من وزارة الأوقاف طبعاً.
تنتشر المساجد حديثة البناء والمصليات بطول صلالة وعرضها ويشرف عليها مالياً أصحابها الذين بنوها لوجه الله من مخصصات شركاتهم الكبرى ولهذا فهي  تحمل أسماء هذه الشركات أو أصحابها ولا يتهم أصحابها بالرياء؛ ويشمل الإشراف تعيين الإمام وخادم المسجد وكل ما يتعلق بالمسجد من خدمات ولا تنتهي خطب الجمعة بالعبارة المشهورة بأن لا تنسوا هذا المسجد من فضل خيركم؛ لكنها طبعا تحمل الدعاء للمحسن صاحب الشركة التي تتكفل بالمسجد فيكون الدعاء لمن أجرى الخير على هذا المسجد ويخلف عليه بالحلال ....الخ. 
لتعلم الوزارة والحكومة أن ظاهرة جمع التبرعات للمسجد أصبحت مقلقة و لا تليق بالوزارة والمساجد فما لهذا الأمر وجدت المساجد.  وإذا لم يكن بالإمكان العناية بالمساجد فلتتوقف الوزارة عن  إعطاء المزيد من الموافقات لبناء مساجد جديدة؛ فكاهل المواطن لم يعد يحتمل المزيد من النفقات المالية نتيجة الضرائب المتلاحقة. فالتبرع لم يعد لدفع فاتورة فقط لكنه يتجاوزه لمشاريع جديدة والحديث عن الخلايا الشمسية أولها ولن يكون أخرها  فالمشاريع والأفكار كثيرة بما أن المتبرع هو المواطن.   
لم أتحدث عن الصناديق المنتشرة أيضا بالمساجد للتبرعات للأسر المحتاجة أو الجمعيات التي يصرح لها بالإنشاء لمجرد حصولها على العدد المطلوب من الأعضاء المؤسسين ليطلق لها المجال لتجمع التبرعات أيضا.

الثلاثاء، 31 يناير 2017

نموذج المقاطعة بداية الوعي الشعبي الأردني

نموذج المقاطعة بداية الوعي الشعبي الأردني
بغض النظر اتفقنا أو اختلفنا مع حملة المقاطعة الحالية للبيض والبطاطا لارتفاع  السعر إلا أنها شكلت بداية منظمة لهذا الوعي الجديد الذي لم يعد يمشي بنظام الفزعة مستقبلاً حتى لو كان بعض منه الآن هو من باب الفزعة، بدليل الحديث عن مدى جدية بعض المقاطعين بالمقاطعة، أما دليل الوعي هو أن هذه الحملة قد أسست لحملة مقاطعة جديدة  للاتصالات.
ولا يجوز تثبيط عزيمة الناس بأنها ضد المزارع البسيط ومستقبلاً ضد السادة المساهمين بشركات الاتصالات ولاحقاً ضد المستثمرين المساكين؛ فمن يعمل ضد المزارع البسيط  وباقي الشرائح هو من لا يحميهم من جشع السماسرة أو الوسطاء ولا يوفر لهم البديل.  من غير المقبول أبداً أن يكون هذا المواطن المستهلك جمل المحامل، فيحمل هم المزارع والسمسار وبائع الجملة؛ فمن يحمل هَمّ المستهلك البسيط؟  وإذا أضفنا أن من مسؤوليات هذا المواطن أن يدعم خزينة الدولة فسيكون هَمّه أضعافاً مضاعفة.
إن سبب حملة المقاطعة وجيه جداً، وهي حق للشعب جماعات وأفراداً سواء كانوا منظمين أم لا عندما يحدث ما يهدد لقمة عيشهم أو حتى جانباً من جوانب رفاهيته؛ من قال إن حق مواطن القرن الحادي والعشرين هو مجرد لقمة العيش؟ من حق الجميع أن يقاطع وينظم نفسه بشرط أن لا يكون بطريقة تهدم المعبد على رؤوسهم ورؤوسنا جميعاً.   
لكن ومن باب النصيحة وحتى تؤتي هذه المقاطعات أكلها يجب الانتباه لبعض النقاط برأيي الشخصي المتواضع.
في البداية يجب أن يكون لهذه المقاطعة هدفاً تسعى لتحقيقه؛ ويبقى هذا الهدف ثابتاً لا يتغير فيطلب المزيد إن لمست الحملة استجابة معينة من الجهات المعنية.  إن سبب فشل الكثير من الحملات هو الانخداع بتحقيق الهدف فيطمع المنظمون بما هو أكثر إلى أن نصل الى طريق مسدود؛ عندها (والحديث ما زال عن البيض والبطاطا) ربما يفتح  باب التصدير على مصراعيه مثلاً أو أي أسلوب من ما في جعبة الحاوي، فيتم تصريف البضائع في أماكن أخرى فلا يعود للمقاطعة أثرها.  أذكر مثلاً أن أحد الشباب الحراكيين (أيام الحراك زمان) قال عندما سُئل عن هدف الحراك : ليس لنا هدف ثابت؛ فمطالبنا تعلوا كلما علا الحراك وكلما استجابت الحكومة لمطالبنا!  يعني بورصة مطالب؛ يوم نرفع ويوم نخفض.  سُقت هذا السبب لأنني بدأت أسمع أن هناك مطالب باستمرار المقاطعة حتى تصبح كرتونة البيض بليرة وربع!!
يجب أن لا تصبح هذه الحملات فرصة للبعض للظهور إعلامياً وإلى الاختلاف حول  من  يمثل الحملة ومن يحق له أن يُصَرِّح للإعلام أولاً.  فعندما يدب الخلاف حول من يمثل من يبدأ الجميع بالإنسحاب شيئاً فشيئاً فتضيع المسألة، وتنتهي المقاطعة أو تضعفها. إن من يتابع هذه الحملة على وسائل التواصل يجد هذا جلياً واضحاً؛ فبدأت بصفحة وانتهت بصفحات.  تتلقى من هذا دعوة ومن ذاك دعوة فتحتار أين تقف؛ وكأني بدور جديد قادم ينتظر المواطن الغلبان وهو إرضاء أصحاب الصفحات أيضا إضافة للكومسينجي بالسوق المركزي.
 لا يخفى على الجميع أن هناك فئة تحرص على الظهور بأي مناسبة حتى لو كانت لا تعنيها وهم كُثُر ونراهم على صفحات الفيس يرقصون أحياناً حتى للمتناقضات؛ وكأن الهدف أن يبقوا بالشارع لاعتقادهم أنهم ربما يقودوه ويصبحوا نشطاء ولهم صوت مسموع فيبدأ الهتاف (للبطاطا)  وينتهي  بشعار من الشعارات السياسية التي ملها الشارع من زمنا وأصبحت ممجوجة حتى عند أصحابها الأصليين. وهذا جلي جداً ولا يخفى على أحد.
من المهم جداً عدم إغلاق قنوات الاتصال مع الجهات المعنية؛ فالهدف ليس المقاطعة إنما هي لتوصيل فكرة ومطلب حق  للمستهلك المنهك.  لهذا من الحكمة الحفاظ على الخيط الرفيع بين المنظمين وتلك الجهات لأن الخاسر الوحيد في حالة فشلها هو المواطن الذي قامت المقاطعة من أجله هو فقط.   
يجب أن لا تصبح المقاطعة موضة بحيث تصبح مقاطعة لأي شيء  قبل الانتهاء من الموضوع الرئيس. إن كثرة "النطنطة" من مقاطعة لأخرى يفقد المقاطعة الأصلية زخمها؛ لا بل ربما يكون سبب فشلها.  يجب اختيار موضوع المقاطعة الجاد والذي يمس وجع المواطن (ولا أفرق بين اساسيات أو كماليات هنا) فلا يجوز أن تكون لأي موضوع.
وفي الختام أسوق هذه المعلومة سمعتها من الإذاعة من مسؤول بجمعيات البيض وهي أن مدة صلاحية البيض هي شهر ميلادي واحد فيجب الانتباه لتاريخ الانتاج عند الشراء  ولا ننساق وراء رخص الأسعار عند تجار البكمات الذين ينشطون في مثل هذه الأجواء.  احرصوا على اقتناء بيض نظيف صحي ممتاز ولا تسعوا  للبيض المدِّر أو الي صوصه فيه  جاهز.
تمنياتي  للحملة بالنجاح وتحقيق الأهداف.


الخميس، 26 يناير 2017

التخوف العربي من الديموغرافيا

التخوف العربي من الديموغرافيا
لا أعتقد في حدود معرفتي أن هناك شعوباً تخاف التنوع الديموغرافي فيها كالشعوب العربية ومؤسساتها الرسمية؛ فهي تحافظ لدرجة الموت  إن لزم الأمر  للحفاظ على النسيج السكاني العِرقي لبلدانها على أرضها. تتغنى هذه الشعوب والدول بالعروبة والأخوة الإسلامية والحضارة الإنسانية ولكنها تقف سداً منيعاً ضد الاقتراب من ديموغرافيتها.  لهذا فهي حريصة جداً على أصولها التاريخية  من أنها جاءت من المنطقة الفلانية أو العلانية.
فقط بالدول العربية تبقى الشعوب تذكر القادمين إليها بأنهم مجرد أغراب مهما اجتهد القائمون على سياستها باختراع الألفاظ الخفيفة للتلطيف من وقع هذه الكلمة على المعنيين فيها؛ ومهما بلغت مساهمة القادمين اليها ببناء حضاراتهم إلا أن النظرة إليهم  هي انهم مجرد أغراب عملوا بأجرة.  ومن المفارقة أن هذه الدول لا تمانع أن ينتقل أفرادها إلى دول أخرى ليكونوا أغراباً هناك أو سمهم ما شئت ولا ترى في ذلك غضاضة.
وهي الوحيدة أيضاً التي تضع كل العراقيل أمام من يختار أن يحصل على جنسية هذا البلد عندما تطول إقامته فيه. وإذا مُنِح هذه الجنسية فهو مواطن صنف ثاني أو ثالث إذ لا يحق له الانتخاب أو الترشح أو الحصول على منصب كبير إلا إذا كانت الحاجة ماسة إليه، ومع ذلك يبقى درجة ثانية ويحق للمواطن الذي يقل عنه درجات أن يتقدم عليه اجتماعياً أو بالاحتفالات الرسمية حتى بدائرته الوظيفية الضيقة حتى لو لبس لباسهم الرسمي.
وفي الدول العربية فقط يمكن أن تجد الكثيرين يعيشون كالأغراب وهم ما يعرفون (البدون) وهذا بحث قائم بذاته لأناس يعيشون في بلدهم الأم  ويحرمون من جنسياتها لأسباب  لا نعرفها؛ ربما بسبب تواجدهم بمناطق حدودية حيث تضيع حقوقهم بالمواطنة بين هذه الدولة أو تلك.  وطبعا قد تجد هذه الظاهرة بمعظم البلدان العربية وليست دولة بعينها.  
والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو لماذا لا نجد هذا الخوف من الدول المتحضرة التي سعت  وتسعى لاستقطاب  المهاجرين  إليها لتعمير الصحراء وتمنحهم الجنسية ويصبحوا مواطنين درجة أولى وليس ثانية كأبناء البلد، فنسمع لاحقاً بأسماء من أصول خارجية وقد تبوأت أرفع المناصب تصل إلى درجة الرئاسة. ولا يوجد في تلك الدول من يذكر هؤلاء بأنهم أصلاً ليسوا من هنا وكلما (دق الكوز بالجرة) يتم تهديدهم بالترحيل وسحب الجنسية  أو تذكيرهم بأهم مجرد وافدين أو درجة ثانية.
السبب الرئيس برأيي هو سياسي بحت وهو الخوف على كرسي الحكم رغم التشدق الدائم بأن دولنا دولاً متعددة الأطياف أو المنابت؛ فهل ضر أمريكا أن يحكمها رجل كأوباما لدورتين متتاليتين. وهنا قد يسأل سائل السؤال التالي وهو محق فيه وهو هل تضمن لنا أن يكون ولاء الأغراب (القادمين الجدد) لبلدنا كولاء أوباما لأمريكا؟ أقول نعم نضمن ذلك بدول القانون. عندما يضمن القانون لهذا الوافد بمدة بسيطة ومعقولة أن يحصل على جنسية البلد الجديد ويصبح مواطناً كامل المواطنة.  هل يضمن القانون لهذا الوافد أن يحصل على حقه الاجتماعي فيتزوج ويُزَوِّج من أهل البلد دون النظرة الدونية له؟  هل سيبقى هناك من يلاحق هذا الوافد ليحصي عليه أنفاسه خوفا منه على البلد رغم أنه أصبح مواطناً فيها؟
لقد كانت العرب من قبل في طور البداوة وقبل ظهور الكيانات السياسية كلها أرضاً واحدة ينتقل فيها المرء  أنى شاء، ولهذا ظهرت امتدادات القبائل العربية من شرق العالم العربي إلى غربه؛ ومن النادر أن تبحث في أصول قبيلة في المشرق ولا تجد لها امتداداً في وسط وغرب هذا العالم العربي من المحيط إلى الخليج.  وعندما انتقلت هذه الدول من مرحلة البداوة إلى الحضارة وجدنا الخوف الكبير من هذا (البعبع) المسمى بالغريب.
لا أنادي بالرجوع الى نظام البداوة، ولا أشجع أن تكون حركة الناس بين البلدان العربية (سداح مداح) دون ضوابط؛ لكني أنادي بتنظيمها بحيث يصبح من أبسط الحقوق  لهذا الغريب أو الوافد أو الأجنبي أن ينال الجنسية في البلد الذي يقضي فيه زهرة عمره دون منية من أحد والسماح له بالبقاء فيها حسب القانون دون الحاجة لما يُسمى بالكفيل.  للدول العربية الحق أن تضع الشروط التي تريد من حيث مدة الإقامة ولكن إن حقق المقيم هذه الشروط  يصبح مستحقاً للجنسية دون معوقات إن أراد ذلك.
ويمكن التوفيق بين مختلف الآراء بهذا المجال بإعادة النظر بموضوع ازدواجية الجنسية؛ كما أعلم أن القوانين العربية جميعها أو معظمها حتى لا نقع بخطأ التعميم  ازدواجية الجنسية وبهذا يُحرم من يحاول التوفيق بين ممن  يتشبث بتراب بلده الأم ويحاول التمسك ببلده الثاني الذي قضى فيها عمره ونشأ فيه أولاده وترعرعوا ولا يعرفون بلدهم الأم إلا بالاسم.  أي عقوبة أشد من أن ينتقل المغترب لسنوات من اغتراب إلى اغتراب.
ما زال خبراؤنا الديموغرافيون غارقين بالبداوة التي تصر أن ما يلجأ اليهم هو قصيرهم أو مجاورهم لو أقام معهم ما شاء الله له أن يُقيم.



السبت، 14 يناير 2017

الفاتورة الضريبة

الفاتورة الضريبة
قادتني الظروف نتيجة حادث سير بسيط بعد وصولي للأردن من الاغتراب إلى محل ميزان ستيرنج لتعديل ميزانية السيارة ففوجئت بصاحب المحال يقول هل تريد فاتورة ضريبية؟ قلت لا؛ لا أحتاجها لأني سأدفعها من جيبي وليس من التأمين. عندها قال الأجرة ستون ديناراً.   وبعد الانتهاء دفعت له المبلغ وطلبت فاتورة فقال أنت قلت لا تريد الفاتورة.  فقلت له أنت تحدثت عن فاتورة ضريبية وأنا لا أريدها، أنا فقط أريد فاتورة عادية حتى أراجعك فيها إن جد بالسيارة جديد.  وبعد جدل طويل أعطاني فاتورة وهو يدعو علي لأني سأخسره ضريبة للدولة وأشك أنه سيدفعها لأن الفاتورة شكلها من الدفتر الاحتياط. وبصراحة كنت أعتقد أن الفاتورتين مختلفتين. بعده بفترة وعند الصناعية أيضاً تحدث صاحب المحل عن الفاتورة الضريبية والسعرين  في حالة طلب أو رفض الفاتورة، فلم أطلب الفاتورة طبعاً لأنني أصبحت أعرف المسألة.
خلصت من الموقفين أن هناك تحايل كبير وبملايين الدنانير تخسرها الدولة من جراء مثل هذا التهرب الضريبي السهل. ربما كنا نحن المواطنين أيضا شركاء بهذا، ولكن ما العمل إن كانت الضريبة ستكون من ظهورنا نحن وليس من ربح التاجر؟ فهل يوجد  لدى الحكومة طريقة لتحصيل مثل هذه الضرائب.
هذا التهرب لا يحصل بالشركات الكبرى فهي تدفع الضريبة من مبيعاتها المدونة حاسوبياً. لكن وجه الشبة بالحالتين هو أن الضريبة أيضاً ندفعها نحن الموطنين.  فلو أخذنا شركة من شركات الاتصالات  التي تبيع بطاقة الدينار بدينار وثمانين قرشاً لوجدنا أن الثمانين قرشا (كما قيل لنا ) هي الضريبة التي ندفعها نحن.  هنا تبرز عدة أسئلة حول هذه القضية :
السؤال الأول: هل تتابع الجهات المعنية القيمة الحقيقية للضريبة إن كانت حقاً ثمانين قرشاً أو أنها أقل من ذلك؟ تصوري أن شركات الاتصال أيضاً تستغل مسالة الضريبة وتبيعنا البطاقة بأكثر من قيمتها بحجة الضريبة. لا أصدق أن الضريبة هي 80% بالمائة للاتصالات. هل نعاقَب لأننا ( بنحكي). 
السؤال الثاني:  لماذا لا تجبر الحكومة هذه الشركات على دفع الضريبة من أرباحها المهولة التي تجنيها من بيع هذه الخدمة كما تفعل باقي الدول. نريد أن نشتري بطاقة الدينار بدينار وليس بدينار وثمانين قرشاً كما هو الحال بسلطنة عُمان مثلاً.  
السؤال الثالث : ألا تستطيع الحكومة كبح جماح وتغول القطاع الخاص؛ فنراها تتغاضى عن تقاضي هذه الضريبة من المواطن والربح من موضوع الضرائب.   إذا كان الجواب بنعم فليعطونا خيار (بدك فاتورة أو لا) على طريقة المدينة الصناعية. 
أخيراً سمعنا عن ضريبة السبعة قروش على بيع كل لتر من المشتقات النفطية ( أتحدث عن الضريبة المضافة ولا أتحدث عن بيعها) فلماذا لا تدفعها هذه الشركات أصلاً.  
السؤال الرابع لماذا لا تعلن الحكومة - حتى ندفع عن رضى - عن مدى مساهمة القطاع الخاص بمشاريع الحكومة والتنمية والوقوف على حقيقة مساهمتها في توفير فرص العمل للشباب الباحث عن عمل؟  نسمع دائماً الحديث عن وجوب مساهمة القطاع الخاص وهذا يعني أنه يجني الأرباح ويدفع ضريبتنا التي هي أصلا من جيوبنا ولا يساهم بدوره كما هو مطلوب.  ويعني أيضاً أن القطاع الخاص تاجر فقط يبيع ويشتري.
شخصيا لست ضد أن تجمع الحكومة الضرائب ولكن لتجمعها من أصحاب القطاع الخاص وليس من قوتنا اليومي.  أما إذا بقيت الحالة على ما هي عليه فلتشكرنا  الحكومة إذاً  لأننا نحن من يسهم بهذه التنمية وليس القطاع الخاص. 


بين الدين والتدين

بين الدين والتدين
مصطلح الدين والتدين أفهمه كما أفهم مصطلح الإسلام والأسلمة.  ولتوضيح الصورة أعود بالذاكرة  إلى عام 1974 وفي محاضرة التاريخ (متطلب كلية) للدكتور أحمد الشبول حيث كان يحدثنا عن الفتوحات الإسلامية، قال إن أول ما كان يحرص عليه الفاتحون المسلمون  للمدينة  هو أسلمة تلك المدينة.  وسأل بعدها من منكم يعرف  المقصود بالأسلمة؟ فأجاب الزميل "علي اسماعيل" مثل بناء المساجد" فقال الدكتور بالضبط.  إذاً فالمقصود هو إظهار مظاهر التواجد الإسلامي السياسي الاجتماعي بالمدينة.
تذكرت هذا المفهوم وأنا أتابع منذ نهايات القرن الماضي ظهور عبارات على الطرقات الخارجية  بين عمان وإربد على سبيل المثال " اذكروا الله"  وعبارات أخرى قصيرة ذات نفس الأسلوب، فنذكر الله مع الذاكرين. وعندما قُدِّر لي الذهاب لصلالة بسلطنة عُمان وجدت نفس الظاهرة مع أمكنة أخرى للصلاة مجهزة بالماء؛ ولطول إقامتي هناك تابعت نموها وازديادها كما هو الحال بالأردن. ولا أظن أن الوضع يختلف في باقي الدول العربية وربما الإسلامية.
  لكن عندما دخل هذا القرن ومع ظهور الحركات الإسلامية عموماً بدأت ألحظ ازدياداً كبيراً للظاهرة، ولم تعد تقتصر على الطرق الخارجية فقط ولكنها دخلت المرافق جميعاً إلى أن وصلت الإشارات الضوئية.  وبدأت تظهر بشكلٍ منظمٍ جداً وفيها استيلاء على المرافق العامة كالشوارع  الطويلة، فكتبت أسماء الله الحسنى مثلاً على شارع طويل مزدحم لا يمكن أن يقوم به أشخاص عاديون بجهد فردي؛ فلا بد من جهات معنية مهنية مصحوبة بمعداتها لتثبيت مثل هذه الصفائح المعدنية بشكل جيد. وربما احتاجت أيضا  للعمل بآخر الليل.  وهنا يبرز سؤال إن كان هذا الأمر يتم برعاية رسمية من البلديات عموماً (فالأمر لا يقتصر على العاصمة فقد رأيتها بإربد أيضا). ما أعرفه مثلاً أن كل مظاهر الانتخابات تزال بعد الانتخابات فلماذا تم الإبقاء على مثل هذه العبارات؟ هل هو الخوف من الاقتراب من كل ما يمس الجانب الديني مثلاً؟ أم هل دفع أصحابها رسوماً مالية لبقائها كباقي الإعلانات ؟ أكثر من شارع طويل تتوزع  فيه أسماء الله الحسنى التسع وتسعين اسما؛ إشارات ضوئية تحمل عبارات استغفروا الله أو اذكروا الله أو صلوا على النبي.  لا أمانع بتدريسها ضمن ملازم معينة بالمدارس فالاستفادة منها هناك أكثر من عرضها بالشوارع.
إذا أخذنا بالقول بأن هذه المظاهر  تقع في باب التدين فمن له مصلحة في ذلك ليظهر المجتمعات الاسلامية وكأنها مجتمات دراويش، وهنا أتحدث عن فرقة من الفرق الاسلامية فليس كل الفرق الأخرى توافق على مثل هذه الظواهر.  نعم هي طيف  واحد فقط ألا وهو الجانب التصوفي؛ فلم تحمل أي عبارة من العبارات أي دعوة تحث على العمل أو المعاملة إنما هي الاستغفار والذكر والجانب الروحي فقط؛ لا أدري أيهما أفضل على الإشارة الضوئية  تذكير السائق بالاستغفار أم عدم قطع الإشارة الحمراء مثلا؛ أليس الأفضل مثلاً أن نخبر السائق بغلق هاتفه  عند الضوء الأصفر  إلي جانب الاستغفار.  
إن الخطر في نمو هذه المسألة وإن كان ظاهرها الدروشة هو أن مثل هذا الطيف عندما يسود  ستقوده هذه السيادة إلى افتراض أنه الوحيد هنا وبالتالي هو الأفضل وبعدها الأقوى وبعدها محاولة التفرد بالسيطرة على باقي الأطياف الدينية وبالأخير رفضها. فهذا لا تعجبه صلاة الإمام الفلاني أو فتوى الشيخ العلاني  وتبدأ بعدها استقطاب  المريدين لها ولا أدري ماذا ستكون النتيجة.  يكفي  أن يكون أحدهم في المسجد ليعلو صوته منبها لهذه القضية أو تلك أو محتجاً لمجرد أنه يتمتع بالمظهر الديني . في حين يجلس حملة الدكتوراه في الشريعة  فلا يتحدثون في مثل هذه المواقف حرصاً على الهدوء بالمسجد. 
والنقطة الأخرى متعلقة بالجانب المالي . كما أسلفت أن عملية نشر هذه  الظاهرة هي عملية منظمة ولا يمكن أن تقوم بها أفراد فقط. ولا بد لها أيضاً من دعم مادي  فمن ينظم ومن يدفع؟ وهل يجوز مثلاً تلقي الاموال من جهة معينة بحجة نشر الاسلام وهي في الحقيقة تروج لجماعةٍ أو لمذهبٍ فتح الله عليه بخير وفير.   فهل يمكن القول أن الدول تغض النظر عن هؤلاء؟ ولماذا؟
وأخيراً هل مجتمعاتنا الإسلامية  بحاجة لمن يذكرها بذكر الله وباستغفاره بهذه الطريقة؟  القضية كما أراها  هنا هي إظهار الشيء للغير أكثر من المعنيين ذاتهم. وهنا السؤال أيضا إذا كانت الأسلمة  (المساجد والمآذن) التي تحدثت عنها بالفقرة الأولى كمدخل للموضوع إشارة لمن يدخل مدننا بأنه يدخل مجتمعاً إسلامياً فهل هذه الظاهرة التدينية هي إشارة للداخل  وليس الخارج بأن هذا المجتمع لهذه الفئة من المسلمين؟  كذلك فإن المساجد والمآذن ظواهر معروفة عالمياً ولا تحتاج لترجمة في حين أن العبارات والكتابات كلها بالعربية فهل هي للعرب فقط أم ستتم ترجمتها لاحقاً حتى يفهمها غير العرب؟ 
إن الأمر تطور جداً حتى غزا مواقع التواصل الاجتماعي والاتصال كذلك؛ فأصبح تداول المنشورات الدينية وخاصة الأدعية أو التي تحمل عبارات الوعظ والإرشاد الروحي يطوف العالم وكلها تحمل ذات الفكر ولا تحمل في ثنياها ( التي جاءتني ) أي دعوة للعمل  الفعلي. بات يشعر مناصروها أن قمة الدعوة للإسلام هي نشر هذه المواد والفيديوهات مع التذكير بضرورة نشرها لأصدقائنا هو المطلوب.
فهل هذا هو المطلوب للمرحلة القادمة في المجتمعات العربية؟
  

الدين كما اراه هو باختصار كما جاء بالحديث " الدين المعاملة" وما أراه بالطرقات هو التدين. وهناك فرق طبعا. 

الجمعة، 23 سبتمبر 2016

أحمد الكوفحي ومحمد نوح

الشيخان أحمد الكوفحي ومحمد نوح ونهج الحلال والحرام
تذكرني حالة الاكتساح التي حققها معالي الدكتور محمد نوح القضاة بانتخابات 2016 بحالة الاكتساح الشهيرة للدكتور أحمد الكوفحي بثمانيات القرن الماضي الشهيرة أيضاً التي كانت محور حديث الجميع على مختلف المستويات. ولابد من الإشارة طبعاً بتميز الدكتور محمد نوح هنا لأن الأمر بالنسبة له لم لكن سهلاً كما كان للدكتور الكوفحي زمان،  فقد كانت الساحة خالية أو شبه خالية من منافسين أقوياء للدكتور أحمد الكوفحي كما حدث مع الدكتور محمد نوح هذه الأيام.  فقد كان الدكتور الكوفحي الوحيد الذي يمثل التيار الديني بخلاف الدكتور محمد الذي نافسه في المجال الديني جبهة العمل الاسلامي والإخوان المسلمون المرخصة وزمزم والوسط الإسلامي وكان الضرب فيها تحت الحزام على أشده؛ ومن المفارقات المضحكة جداً هو هذه الاتفاق الضمني بين بعض التيارات الإسلامية وغير الإسلامية (حزبياً) وكذلك العلمانية والإلحادية على مواجهة الدكتور محمد نوح، ولكن الله قدر للدكتور محمد نوح هذا النجاح الكبير الذي جعلني أفكر في حالة الدكتور أحمد الكوفحي مع الفارق الذي أشرت إليه.
وحتى نضع الأمور  بالسياق الصحيح فلا بد من تناول الشخصيتين بما يجمعهما من صفات حببت الناس فيهما.  ولا بد من التقديم لهما أنهما جاءا يمثلان نهجاً يتعطش له الناس  وهو مفهوم الحلال والحرام  في بيئة دينية صرفة تعشق من يرفع هذا الشعار دون عنف ولكن بالنصيحة.  لهذا رأى الناس فيهما المنفذين لشرع الله وفي نفس الوقت يلبيان الرغبة الشعبية عند الناس  بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.  ولا بد من التذكير أن حزب الوسط الاسلامي أيضا استفاد من هذا الشعار  في الانتخابات السابقة للمجلس السابع عشر بشكل كبير بالإضافة لغياب الاخوان المسلمين في تلك الفترة كعامل مساعد.
لقد عرفتُ الدكتور أحمد الكوفي عندما كان أستاذاً للشريعة الإسلامية بكلية حوارة (معهد حوارة بتلك الفترة) ولم أكن قد التحقتُ بالكلية بعد.  وقد كان يُعرف بالشيخ أحمد الكوفحي أيضا.  وقد لمع نجمه بشكل كبير عندما أعطي كمحاضر غير متفرغ مادة التربية الإسلامية في جامعة اليرموك التي كانت حديثة بتلك الفترة، وكان لقراره فصل البنات عن الأولاد في قاعات الدرس صدى واسعاً عند الناس التي كانت ترى في الاختلاط بالقاعات حرمة كبيرة.  وقد أثيرت ضجة  أيضاً أن الجامعة رفضت ذلك إلا أن الشيخ أصر على ذلك ونجح فاعتبر نصراً كبيراً. ولا أدري إن كانت الرواية صحيحة أو قُصد منها تلميع الشيخ في تلك الفترة.
كذلك كان شعار الشيخ أطال الله في عمره في حياته اليومية الحث على الحلال ومقاومة الحرام.  وكان لا يفرق بالدعوة لهذا بين مسلم أو غير مسلم.  وعندما جاء وقت سداد الدين حقق الشيخ أحمد من أصوات المسحيين كما حقق من المسلمين. ومن المفيد أن أستذكر حادثة للتدليل على صحة هذه الفكرة حدثت بين الشيخ أحمد وأحد الزملاء المسحيين رواها لي الزميل المسيحي بنفسه مدافعاً عن موقفه بانتخاب الشيخ أحمد؛  قال : سمعني الشيخ أحمد بغرفة الاستراحة أتحدث مع زميل آخر عن عيد الميلاد القادم وعن احتفال الأسرة والمصاريف وكيف أنه سيتوجه لبنك الإسكان للحصول على سُلفة  300 دينار على الراتب ليغطي تكاليف العيد من ملابس وغير ذلك للأولاد.  بعد الاستراحة أو اليوم التالي يقول الزميل فوجئت بالشيخ أحمد يطرق باب المحاضرة على الزميل ويناديه خارج المحاضرة ويعطيه مبلغ 300 دينار ويقول له "عَيِّد أنت وأولادك ولا تأخذ من البنك لأن البنك يتعامل بالربا"  فعلق الزميل فكيف لا أنتخب هذا الشيخ الذي  لا يفرق في شعار الحلال والحرام بين مسلم ومسيحي!!
هذه الأمور وغيرها جعلت من الشيخ أحمد الكوفحي إمام الدعاة الأردنيين في تلك الفترة فجاء فوزه اكتساحاً كبيراً.  لكن وبعد الوصول للمجلس أخذ نجم الشيخ بالاختفاء قليلاً قليلاً على مستوى الاخوان المسلمين كما ظهر لنا؛ ولا أدري هل هو كمال الأشياء التي تؤذن بالنهاية أو هو الانسحاب أو التوريث في المركز لنجله الدكتور نبيل الكوفحي حيث كان الشيخ يدعمه من وراء ستار فصعد نجمه سياسياً بشكل سريع. 
لا يختلف الأمر مع الدكتور محمد نوح القضاة بالنسبة للبدايات حيث دخل قلوب الناس من خلال برامج دينية كثيرة على القنوات العربية منادياً بإعلاء مفهوم الحلال والحرام بين الناس وخاصة عندما ظهر في برنامج الميزان  على التلفزيون الأردني.  وقد توسم فيه الناس الصدق لأمرين أثنين أولهما الاستعداد الفطري لدى الناس لتقبل من يدعو لهذا الشعار (الحلال والحرام)  خاصة في زمن الفساد؛ وثانيهما تاريخه الأسري المتمثل في سيرة والده الشيخ نوح رحمه الله العطره وهو أي الشيخ نوح أبو قلمين ( قلم رسمي يكتب فيه معاملات الدولة، وقلم شخصي يكتب فيه لشؤونه الشخصية) وتاريخ عائلة دينية عريقة فلم يداخل الناس الشك بصدق قوله خاصة عندما تولى الوزارة وفي جمعية الشيخ نوح للرفادة. 
لهذا، وللأسباب الأخرى المتعلقة بالدعايات المغرضة ضده من كل من يرى أن الشيخ محمد نوح قد خطف منه الأضواء لم يكن من المستغرب أن يهتف الجميع مرحباً به بالزرقاء ويهتفون له (ابشر) عندما قال لهم أنه جاءهم طالباً دعمهم. وكاك كل منشور على مواقع التواصل الاجتماعي أو مقال ضد الشيخ هو دفعة له للأمام وارتفاع في رصيده عند الناس  فجاء النصر مبينا كفلق الصبح.
لا أدري إن كان الأمر بالنسبة للشيخ محمد نوح سيشبه الشيخ أحمد الكوفحي من حيث النهاية. فهل كملت الدائرة بالنيابة؟  لقد تولى الدكتور محمد من المناصب ما أراد،  ولا أعتقد أن النيابة مطمعاً له بعد الوزارة، لا بل أنني أراها النهاية إن لم يكن أداؤه بالمستوى المطلوب للجماهير؛ فالناس تريد مواقف رسمية وفاعلة وعلى أرض الواقع ولا تريد خُطباً عن الحلال والحرام فقط، فهل سيكون الدكتور محمد نوح (قدها وقدود)؟  
بقي شيء هنا خطر بالبال الآن وهو هل ستكتمل الدائرة  أيضاً بالنسبة للشيخ أحمد الكوفحي به أو بنجله الدكتور نبيل بتولي حقيبة وزراية ليتساوى الدعاة إلى الحلال بالفرص نيابة ووزارة؟؟؟ 
وهناك أمر آخر أريد أن أهمس به بأذن العلمانيين أو حتى الملحدين بأن طريقهم صعب وهدفهم ليس سهل المنال في هذا المجتمع؛ لهذا عليهم تحسس موضع أقدامهم واختيار عباراتهم جيداً فهذه تربة ليس من السهل زراعة بذور غير بذور الدين فيها.
تحياتي  للدكتور أحمد الكوفحي وتمنياتي لمعالي الدكتور محمد نوح القضاة  بالتوفيق في مهمته القادمة الصعبة  والنجاح فيها.
والله غالب على أمره
صدق الله العظيم



الأحد، 11 سبتمبر 2016

عودة المواطَنة للمواطن

عودة المواطَنة للمواطن
شغلتني الظروف وزخم الأحداث هنا عن الالتفات لحدث مهم يحدث لأول مرة لي منذ ربع قرن؛  لأول مرة لا أنشغل بالبحث عن لحّام تراثي  ليلحم لي تنكات الزيت استعداداً للعودة للعمل في سلطنة عمان - صلالة؛ لأول مرة لا أسأل المدام عن عدد كيلوات الجميد  التي سنأخذها معنا إلى صلالة؛ لأول مرة لا أتشاجر مع المدام أيضاً بخصوص الحقائب التي سنحمل فيها الملابس وأتأفف قائلاً متى سنصل للوقت الذي نحضر ونعود كما يفعل الأجانب بخفيف الحمل.  لأول مرة سأبدأ بالبحث عن الأضاحي هنا بعَمان وليس في صلالة.   المهم اكتشفتُ أن الرفاق عادوا لصلالة وبقينا نحن مجبرين بقانون الزمن.
لكن ومن جانب آخر فإنني  بهذا البقاء الإجباري فقد استرجعت مواطنتي؛ وهل كانت مفقودة؟  لم تكن مفقودة بالمعنى الحرفي للكلمة لكنها كانت مُغيبة فعلياً.  لقد كنا هنا نوصف في صلالة (كما هو الحال بكل دول الخليج أيضاً)  بالوافدين وعندما نعود للوطن في إجازة كنا نسمى المغتربين. لهذا وبعد الرجوع لا مفر أمام من كان يصفنا بالمغتربين بالاعتراف بأنني مواطن، إلا إذا كان بالقاموس مفردة جديدة مثل المغتربون سابقاً، أو العائدون من الاغتراب أو أي مسمى آخر.  ولِم الاستغراب؟ فهذا الوصف مفيد جداً طبعاً عندما تبحث عن مقعد لابنك في إحدى المدارس فتعطى الأولوية لأنك عائد من الاغتراب.
لأول مرة  سأخرج من دائرة الاتهام.  سوف لن أكون (سبباً) رئيساً لأزمة السير التي كان يقول به المسؤولون عند الحديث عنها؛ والآن دعني كمواطن أطمئن من عاد للاغتراب أن الأزمة الخانقة في تزايد ولم تكن يوماً أنت عزيزي المغترب سبباً فيها.  لن أكون سبباً لانقطاع الماء أو التأخر في تقديم الخدمات للمواطنين. نعم خرجتُ من دائرة الاتهام والحمد لله.   لقد اكتشفتُ أن هذه الأزمات إنما هي طقم على نظام الباكج تأتي مع بعضها صيفاً وشتاء بالمغتربين أو بدونهم.  سأخبركم في فصل الشتاء القادم عن الأسباب التي سوف يسوقونها لتبرير هذه الأزمات.
ومع عودة المواطَنة أيضاً سأتمكن من ممارسة حقي السياسي في بلدي ولن يقمعني أحد بحجة أنني مغترب ولا يحق لي الحديث عن ما يجري في الوطن أو لا أعرف ما يجري  في الحقيقة، رغم أنني لم أكن يوماً بعيداً عنه. نعم سأمارس  هذا الحق وبقوة حيثما سنحت لي الفرصة بالانضمام لأي تكتل أو حزب سياسي بعد أن تتضح لي الرؤيا بهذا الخصوص.  لهذا سأبدأ بأول الخطوات وهي ممارسة حقي الدستوري  بالانتخاب لاختيار من أراه مناسباً ولن تدغدغ عواطفي الشعارات البراقة.       
إنني سعيد جداً بعودة المواطنة لي فقد أوشكتُ أن أشك أنني مواطن في بقعة ما على هذه البسيطة. فليس من السهل أن تقضي ربع قرن من حياتك مُهَمشاً هنا وهناك، رغم أن لك الحرية أن تتحرك ولكن ضمن دائرة ضيقة بحيث لا تغضب المعازيب هناك والأهل هنا، فتمضي حياتك مُجَامِلاً لهؤلاء  وساعياً لرضا أولئك.
لقد كان الطريق طويلاً إلى صلالة؛ لقد امتدت السنون إلى ربع قرن لخَّصتُ بعضها في كتاب بنفس العنوان " الطريق إلى صلالة" ما زال لم يرى النور بعد بسبب بطئ الناشر ولكنه قريب إن شاء الله. حاولتُ في هذا الكتاب أن أسترجع الذكريات مع الناس والمكان والزمان  في هذا البلد الطيب.  وما أكثرها!
 المهم شعورٌ جميل أن تعود لك مواطنتك بعد اغتراب. تمنياتي لكل من عرفت هناك في سلطنة عُمان بشكل عام والكلية التقنية بصلالة على وجه الخصوص بالتوفيق؛ وأسال عن أخبارهم وأقول خبووور؟   وانشد عن علومهم بقولي : شي علوم؟  ولهم جميعاً أقول
اجعلونا  بحل. 

وكل عام وأنتم بخير.